أحمد بن علي القلقشندي
92
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولنا في المغرب ، أثر أغرب ، وفي أعماله أعمال دون مطلبها كما يكون المهلك دون المطلب ؛ وذلك أن بني عبد المؤمن قد اشتهر أنّ أمرهم أمر ، وملكهم قد عمر ، وجيوشهم لا تطاق ، وأوامرهم لا تشاقّ ، ونحن والحمد للَّه قد ملكنا مما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر ، وسيّرنا عسكرا بعد عسكر رجع بنصر بعد نصر ، ومن البلاد المشاهير ، والأقاليم الجماهير - لكّ - برقة - قفصة - قسطيلية - توزر ؛ كلّ هذه تقام فيها الخطبة لمولانا الإمام المستضيء باللَّه سلام اللَّه عليه ، ولا عهد للإسلام بإقامتها ، وتنفّذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها . وفي هذه السنة كان عندنا وفد قد شاهده وفود الأمصار ، مقداره سبعون راكبا كلَّهم يطلب لسلطان بلده تقليدا ، ويرجو منّا وعدا ويخاف وعيدا . وقد صدرت عنا بحمد اللَّه تقاليدها ، وألقيت إلينا مقاليدها ، وسيّرنا الخلع والألوية ، والمناشير بما فيها من الأوامر والأقضية . وأما الأعداء الذين يحدقون بهذه البلاد ، والكفّار الذين يقاتلونها بالممالك العظام والعزائم الشّداد ، فمنهم صاحب قسطنطينيّة وهو الطاغية الأكبر ، والجبّار الأكفر ، وصاحب المملكة التي أكلت على الدّهر وشربت ، وقائم النّصرانية التي حكمت دولته على ممالكها وغلبت ، وجرت لنا معه غزوات بحريّة ، ومناقلات ظاهريّة وسرّية ، وكانت له في البلاد مطامع منها أن يجبي خراجا ، ومنها أن يملك منها فجاجا ، وكانت غصّة لا يسيغها الماء ، وداهية لا ترجى لها الأرض بل السّماء ، فأخذنا وللَّه الحمد بكظمه ، وأقمناه على قدمه ، ولم نخرج من مصر ، إلى أن وصلتنا رسله في جمعة واحدة في نوبتين بكتابين كلّ واحد منهما يظهر فيه خفض الجناح ، وإلقاء السّلاح ، والانتقال من معاداة ، إلى مهاداة ، ومن مناضحة ، إلى مناصحة ، حتّى إنه أنذر بصاحب صقلَّية وأساطيله التي يرد ذكرها ، وعساكره التي لم يخف أمرها . ومن هؤلاء الكفّار صاحب صقلَّيّة هذا كان حين علم أن صاحب الشام